الجنيد البغدادي
132
رسائل الجنيد
مسألة أخرى اعلم أن دليل الخلق برؤية الصدق وبذل المجهود ، لإقامة حدود الأحوال بالتنقل فيها ، لتؤديه حال إلى حال ، حتى يؤديه إلى حقيقة العبودية في الظاهر ، بترك اختيار والرضى بفعله ، وهذه مواضع قبول الخلق لدلائل صفات علم الظاهر عليه ، واجتماع صفته ، ومن ثم تؤديه حقيقته إلى مشاهدة الحق وإدراك إشارته إليه ، بتلوين الأمور اختياره ، وهذا موضع « 1 » ذهاب الخلق عنه ، لتلوين « 2 » صفاته فيهم ، ومواضع تغيبه عنهم ، وهذا مقام الاصطناع ، قال اللّه عز وجل لموسى عليه السلام وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [ طه : 41 ] فمن أين وإلى أين ، فمنه إليه وله وبه فني ، وفني فناؤه ، لبقاء بقائه بحقيقة فنائه ، فإن للحق فيه مرادا ، يرده عليهم ، أخرجه إليهم بتظاهر نعمائه عليه ، فتلألأ سناء عطائه برد صفاته عليه لاستجلاب الخلق إليه وإحسانهم عليه . مسألة أخرى اعلم أنك محجوب عنك بك وأنك لا تصل إليه بك ، ولكنك تصل إليه به ، لأنه لما أبدى رؤية الاتصال به ، ودعاك إلى الطلب له فطلبته ، فكنت في رؤية الطلب واجتهاد لاستدراك ما تريده بطلبك ، كنت محجوبا ، حتى يرجع الافتقار إليه في الطلب ، فيكون ركن وعمادك في الطلب بشدة الطلب ، وأداء حقوق ما انتخب لك من علم الطلب ، والقيام بشروط ما اشترط عليك فيه ، ورعاية ما استرعاك فيه لنفسك ، حماك عنك ، فيوصلك بفنائك لوصولك إلى بغيتك ، فيبقى ببقائه ، وذلك أن التوحيد الموحد باق ببقاء الواحد ، وإن فني الموحد ، فحينئذ أنت أنت ، إذ كنت بلا أنت ، فبقيت من حيث فنيت ، والفناء ثلاثة - فناء عن الصفات والأخلاق والطباع ، بقيامك بدلائل عملك ، يبذل المجهود ومخالفة النفس ، وحبسها بالمكروه عن مرادها . والفناء الثاني فناؤك عن مطالعة حظوظ ، من ذوق الحلاوات واللذات في الطاعات ، لموافقة مطالبة الحق لك ، لانقطاعك
--> ( 1 ) وردت في ( ط ) : وهذه مواضع . ( 2 ) وردت في ( ط ) ، وفي ( خ ) : لتلون .